الرئيسية » تقارير و حوارات » حوارات » الخبير كريم السليتي: عدم الجرأة في اتخاذ قرارات مصيرية سبب الاخفاق الاقتصادي والاجتماعي ما بعد الثورة
خدمة الرسائل الاخبارية القصيرة من بناء نيوز
الخبير كريم السليتي: عدم الجرأة في اتخاذ قرارات مصيرية سبب الاخفاق الاقتصادي والاجتماعي ما بعد الثورة

الخبير كريم السليتي: عدم الجرأة في اتخاذ قرارات مصيرية سبب الاخفاق الاقتصادي والاجتماعي ما بعد الثورة

بناء نيوز – عائشة يحياوي

ست سنوات ما بعد الثورة، هل تمّ تحقيق المطالب الشعبية التي اندلعت بسببها الثورة؟ وهل استطاعت تونس تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه كل عملية انتقال ديمقراطي؟ هي مجموعة من التساؤلات التي طرحناها على الخبير بمكتب استشارات دولي كريم السليتي في الحوار التالي:

  • ست سنوات مرّت على اندلاع ثورة الـ 14 جانفي، التي قامت على مطالب عدّة من أهمّها التشغيل والتنمية الجهوية، هل يمكن القول أنّه اليوم تمّت الاستجابة إلى هذه المطالب؟

الثورة التونسية لها إيجابياتها ولها سلبياتها، وحسب تقديري فإن الإيجابيات أكثر بكثير من السلبيات، اليوم بعد ست سنوات من الثورة تونس تغيرت بشكل كبير وإيجابي على مستوى حرية التعبير وحرية الإعلام ، كما شهدت سنّ قوانين رسخت أكثر مبادئ المواطنة والمساءلة والتعددية. وليس هناك أي سبيل للمقارنة مع الوضع في ما قبل الثورة في هذا الخصوص، تونس اليوم تحررت فعلا من أغلال القمع والاستبداد والشعب التونسي تحرر من الخوف وهذه مكاسب هامة جدا وإن كانت قابلة للانتكاس.

هذا على مستوى الحريات والحقوق أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فيكاد يكون هناك إجماع على وجود إخفاق في تحقيق تقدم ملموس ليس بسبب ضعف الارادة السياسية أو عدم الكفاءة بل بسبب عدم الجرأة على أخذ قرارات مصيرية وهامة من شأنها أن تغير الواقع الاجتماعي والاقتصادي بشكل تام وتقدم الحلول المناسبة.

 

يعتقد العديد من الخبراء والمتابعين أنّ نجاح تونس في الانتقال السياسي هو اليوم مهدّد إذا لم يتم تحقيقالانتقال الاقتصادي، ماهو رأيكم في هذا الموقف؟

هناك معطى هام لا يمكن القفز عليه، وهو أن تونس ليست دولة متقدمة وليس لديها تقاليد سياسية عريقة ومحكومة بعقليات وايديولوجيات تقليدية لأبعد الحدود. ولذلك فإن الانتقال السياسي الذي تمّ لم يكن بالشكل الذي تمناه المواطن التونسي، فالحياة السياسية لا تزال هشة ومحكومة بالشك والريبة وعدم التعاون، وهو ما أجّل أي تفكير في تحقيق نقلة اقتصادية حقيقية في البلاد.

الخوف كان قائما لدى البعض من العودة لمنظومة الاستبداد في تونس كما حدث في مصر أو الانزلاق لحرب أهلية كما هو الوضع في سوريا واليمن وليبيا. لكن الملاحظ أن الانتكاسات التي حدثت في الثورات العربية الأخرى لم تكن بسبب الأوضاع الاقتصادية، بل أساسا بسبب التدخلات الأجنبية.

المواطن التونسي أكثر حساسية للوضع الاقتصادي منه للوضع السياسي، وهذا مرتبط بالثقافة والوعي الجماعي. والانتقال الاقتصادي الذي يريده المواطن ليس هو ما يخطط له من يسطرون السياسات الاقتصادية للبلدان.  الانتقال الاقتصادي الحقيقي هو الذي يكون نتاج تفكير جماعي وتوافق لأغلب شرائح التونسيين ومختلف الفاعلين الاقتصاديين وليس مُملى من البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي.

أنا شخصيا لا أعتقد أنه سيكون هناك انتقال اقتصادي حقيقي مثلما تمّ الانتقال السياسي. الانتقال السياسي تمّ بعد ثورة اجتثت جميع الثوابت السياسية  القديمة، و كذلك الانتقال الاقتصادي الحقيقي  يجب أن يكون ثورة على الثوابت الاقتصادية المهترئة التي لا تزال تحكمنا إلى اليوم.

 

برزت أصوات في الفترة الأخيرة تقول بأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية كانت في العهد السابق أفضل مما هي عليه اليوم، خاصة مع تدهور المقدرة الشرائية للمواطن، وغلاء الأسعار، وبقاء مستويات البطالة مرتفعة، ما هو رأيكم في ذلك؟

هناك فئة من التونسيين كانت مستفيدة جدا من مناخ القمع والفساد والاستبداد المستشري في العهد السابق وكانت لها حصانة تقريبا من أي مساءلة من الطبيعي جدا أن تتأثر مصالحها بعد فرار راعي مصالحها. هذه الفئة لديها أصوات إعلامية تريد أن توحي بأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية كانت في العهد السابق أفضل مما هي عليه اليوم، وهناك أيضا البعض من عامة الناس ممن ذاكرتهم ضعيفة قد يرددون نفس الكلام.

الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في العهد السابق كانت أتعس بكثير من اليوم، ترفيعات سنوية في الأسعار، معدلات بطالة عالية جدا بالإضافة للقمع والفساد، لكن الإعلام في ذلك الوقت كان يذكر أرقام غير حقيقية عن نسب التضخم والبطالة والنمو الاقتصادي وذلك بشهادة المؤسسات الدولية. اليوم الإعلام يبالغ في تضخيم سوء الأوضاع الاقتصادية وهو ما قد يشعر بعض الناس أن العهد السابق كان أفضل.

إن ما نعانيه اليوم من تراجع في قيمة الدينار الذي أثّر سلبا على القدرة الشرائية للمواطن وتواصل البطالة بنسب مخيفة هو نتاج طبيعي للسياسات الاقتصادية التي انتهجها العهد السابق لأنه لا يمكن تغيير منوال اقتصادي بين ليلة و ضحاها. و لكن لا ننكر أيضا وجود تردّد في القيام بتغيير حقيقي على المستوى الاقتصادي يحقق نقلة نوعية في حياة ورفاهية التونسيين.

 

هل يمكن القول أن فترة الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه اليوم تعتبر فترة طويلة، أما أنها فترة مقبولة، خاصة في ظل الظروف الداخلية (تواصل الاحتجاجات والاضرابات، الارهاب) والخارجية (الوضع في ليبيا، الاتحاد الأوروبي،..) التي تمر بها تونس؟

لا أتفق كثيرا مع مصطلح الانتقال الديمقراطي بل الأفضل اعتماد مفرد أكثر حيادية وهو الانتقال السياسي لتوصيف ما حدث في تونس. وعموما فإنه مقارنة بما يحصل في الدول العربية الأخرى يعتبر شيئا متميزا، لكنه بالنسبة لكثير من التونسيين لم يحقق التطلعات التي كانوا يحلمون بها.

الثورة كشفت عن وجود شريحة لا يستهان بها من “المتعلمين الأميين” والذين يملؤون مختلف الفضاءات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، لا تقبل بالاختلاف ولا بالتعددية، لا تؤمن بالشراكة و التعايش مع الآخر المختلف فكريا. هذه الشريحة كان لها دور سلبي جدا في توتير الجو السياسي والاجتماعي العام وإشاعة مناخ من الخوف من المستقبل، لأنها تعودت على حالة الجمود التي كانت في عهد الاستبداد.

هناك كثير من التونسيين لديهم تخوف على مسار الانتقال السياسي في تونس خاصة بعد توفير منابر إعلامية لبعض الاستئصاليين المتطرفين الذين يشيعون مناخا مخيفا من الكراهية والإقصاء بين التونسيين، وتأثيرهم في الحقيقة ليس فقط على التونسيين بل حتى على المستثمرين و السياح الأجانب.

أما بالنسبة للاضطرابات الداخلية وخاصة الاحتجاجات الاجتماعية والإضرابات العمالية وإن كان لها انعكاس اقتصادي سلبي فإنها صمام أمان ضدّ كل من يفكر في إعادة مناخ الاستبداد والقمع والخوف، كما أنها عامل ضغط مهم للتذكير بالأسباب الحقيقية التي قامت من أجلها الثورة وهي توفير الكرامة للمواطن التونسي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

أما بالنسبة للظروف الخارجية فتأثيرها على الوضع الداخلي مبالغ فيه إعلاميا.

وأرى أنه لو توفرت إرادة حقيقية للفاعلين السياسيين في تونس لتحقيق الاستقرار والبدء في الإصلاحات الكبرى، لكانت الأوضاع مختلفة تماما. لكن للأسف هناك أزمة ثقة خانقة بين أطراف الحكم، بالإضافة كما ذكرت لوجود فئة خطيرة تبث سمومها الإعلامية ليبقى الانتقال السياسي يدور في حلقة مفرغة. كما لا أستبعد التدخلات الأجنبية لبقاء هذا المناخ من الشك والريبة والذي من شأنه أن يؤجل قطف ثمار الثورة.

 

تحدثتم أكثر من مرة عن قرارات مصيرية وإصلاحات اقتصادية ليست هناك جرأة على اتخاذها، فهل يمكن أن تبيّنها؟

إذا كانت تونس دولة مستقلة وذات سيادة فعليها أخذ الإجراءات التي تصب في مصلحة شعبها على المستوى القريب والبعيد، ولكن قبل البدء بتطبيق الاصلاحات يجب تجاوز الوضع الحالي القائم على الريبة والخوف والاقصاء، ويتعين توحيد الجبهة الداخلية والبدء دون تأخير في جملة من الإصلاحات الجوهرية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، التي أذكر من أهمها:

اقتصاديا: المرونة الاقتصادية، التحرير الكامل للدينار، تسهيل إجراءات الاستيراد والتصدير، تخفيف الأعباء الضريبية لدفع الاستثمار، إصلاح القطاع البنكي ، محاربة الفساد الاقتصادي،  دعم القطاع الفلاحي والتركيز على تصدير المنتجات الفلاحية للأسواق الناشئة، استقطاب الأسواق السياحية الخليجية والإسلامية، التمييز الإيجابي لفائدة الجهات الداخلية على مختلف المستويات، التركيز على اقتصاد المعرفة والخدمة عن بعد، تشجيع المهندسين على بعث وحدات صناعية.

إجتماعيا: الإحاطة الحقيقية بذوي الدخل الضعيف لسد حاجاتهم، الاحاطة بالفئات الأكثر عرضة  للانخراط في المنظومات الإجرامية، توفير دخل قار وتغطية صحية للعاطلين عن العمل، إصلاح المنظومة الصحية العامة.

إداريا: إعادة هيكلة الأجهزة الادارية وتخفيف الإجراءات البيروقراطية، توفير 80% من الخدمات الادارية عبر الانترنات، مراعاة الالتزام بتوفر شرط الاختصاص والكفاءة عند التعيين في المناصب الإدارية والمناصب الهامّة مع مراعاة التوازن الجهوي، تفعيل محاربة الفساد واستغلال السلطة، وضع أهداف كمّية واضحة لكل موظف عمومي يقع مسائلته على إنجازها.

التعليم : الانتقال بدون تأخير لاعتماد التعليم باللغة الإنجليزية للمواد العلمية، التركيز على الجوانب القيمية وتعزيز الارتباط بالهوية العربية الإسلامية، توجيه التعليم العالي نحو تصدير الكفاءات.

ثقافيا: نشر ثقافة الاختلاف والقبول بالآخر وعدم التمييز حسب الجهة أو المظهر أو الأفكار، نشر ثقافة المساءلة و القبول بالمحاسبة، نشر ثقافة التعاون والعمل الجماعي.

 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي وكالة بناء نيوز للأنباء وانما تعبر عن رأي أصحابها

إلى الأعلى